أستاذ جامعي يحرق مكتبته عند الحصار في “وقاد النار” – علب عطا

البلجيكية أميلي نوتومب
الكاتبة البلجيكية أميلي نوتومب

أستاذ جامعي يحرق مكتبته عند الحصار في “وقاد النار” – علب عطا

البلجيكية أميلي نوتومب استوحت نصها من الحرب ضد استقلال البوسنة

تتمحور مسرحية “وقاد النار” للكاتبة البلجيكية أميلي نوتومب (ليس إيميلي نوثومب كما ورد في الكتاب المترجم الذي بدّل عنوانه الاصلي “محروقات” او “كتب محروقة”)، حول محرقة للكتب، لا يرتكبها طغاة يكرهون أن يقرأ الناس، وإنما يفعلها أستاذ جامعي، طلباً للتدفئة في ظل حصار عسكري يطوق مدينة أوروبية ذات شتاء قارس، وتحت ضغط غريزة البقاء. ومع ذلك ينطوي هذا العمل على ما هو أعمق، عبر نقاشات محاصرين ثلاثة، حول جدوى الأدب وحقيقة تأثيره، ودورالنخبة المثقفة في الترويج أحياناً لأعمال أدبية وفكرية جادت بها قرائح تفتقر إلى الصدق الفني مِن ناحية، وإلى وضوح الرؤية، من ناحية أخرى.

هذه المسرحية ذات الفصل الواحد، صدرت أخيراً ضمن سلسلة “من المسرح العالمي (المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب – الكويت)، في ترجمة عربية أنجزها  محمد ماشتي، وقدم لها سعيد كريمي بدراسة نقدية.

بسبب الدمار الذي أحدثته الحرب، والحصار الذي فرضه أحد طرفيها على الطرف الآخر لأكثر من عام، لتأكيد هزيمته، صار الناس يموتون في تلك المدينة المنكوبة من الجوع والبرد، بين أطلال منازلهم، فيما القناصة يحصدون أرواح من يغامرون بالخروج إلى الساحات المقفرة.

كان لا يزال لدى أبطال المسرحية القليل من المؤن التي تقيهم الجوع، لكنهم فقدوا كل ما كان يمَكنهم من تشغيل الموقد، ولم يتبق إلا الكتب التي لم يجدوا مفراً من حرقها تباعاً؛ طلباً للدفء، لعله ينجيهم إلى حين من موت محتم، ومع بقاء كتاب واحد، ترفض “مارينا” حرقه، وتقرر الخروج إلى الساحة، وهي تعرف يقيناً أن ذلك يعني أنها قررت الموت على يد أحد القناصين، ويلحق بها “دانيال” (مساعد الأستاذ)، ثم “الأستاذ” نفسه، ليشاركهما المصير ذاته.

كراهية وحب

المسرحية التي تعتبر “بيضة الديك” بالنسبة إلى نوتومب، لا تتجاوز 80 صفحة من القطع المتوسط، وتقع أحداثها، أو بالأحرى حدثها الوحيد، في منزل “الأستاذ”، وهو رجل خمسيني، يُدرس الأدب، في جامعة تقع في المدينة نفسها التي يقع منزله في نطاقها، يستضيف مساعده “دانيال” وصديقة الأخير “مارينا”. “الأستاذ” شخص ذكي، مهذب، لكن الحرب غيرت نظرته إلى العالم، فقبلَها كان يخبر طلبته (ومنهم مارينا) بأنه يكره مجموعة من الكتب، ومن ضمنها كتاب “حفل راقص بالمرصد” (من خيال المؤلفة) بل وينتقدها بشدة. لكن الحرب تكشف أنه مولع بتلك الكتب. هو يعرف أن “مارينا” تحب “دانيال”، لكنه لا يتورع عن مراودتها عن نفسها، مستغلاً أنه لم يعد من مأوى لها سوى بيته، وفي الأخير يفقد كل حس إنساني بشروعه في حرق الكتب، التي كان يفاخر بأنه جمعها خلال أكثر من ثلاثة عقود.

أما “مارينا”، وهي في العشرين من عمرها، فيفقدها الحصار الطويل، بعض إنسانيتها، فتنهمك في البحث عن الدفء، بمعناه الصريح وليس المجازي، بأي ثمن، فيصيبها هوس حرق الكتب، فيما يمثل “دانيال”؛ وهو في الثلاثين، الرزانة والتعقل مقارنة بزميلي المحنة.

مسرحية وقاد النار
غلاف مسرحية “وقاد النار”

يرى “الأستاذ” أن الحرب فرضت عليه وقت فراغ، بعدما أصبح من المتعذر عليه الذهاب إلى الجامعة، حيث يعمل، لكن مساعده، يرى أنهم يعيشون حصاراً لا حرباً، ويؤكد أن الحصار لا يمكن تحمله بما أنه “يحولنا إلى حيوانات” (المسرحية صـ 34). وفي لحظة كشف، يصارح “الأستاذ” كلاً من “دانيال” و”مارينا” بأنه لا يجد متعة في قراءة الكتاب الذين كان يقول لطلابه إنه يحبه؛ “لقد قضيت 25 سنة وأنا أكذب على طلابي”.

إعدام بالحرق

“مارينا” هي التي اقترحت حرق الكتب للتدفئة، وعارضها “الأستاذ” قائلاً إن ذلك يعني أننا خسرنا الحرب، فترد عليه بقولها: “لقد خسرناها بما أنها امتدت من الشتاء إلى الشتاء. خسرناها من أول أيام قدوم البرد”. وفي سياق المكاشفة الذي فرضه ما يشبه اليأس من النجاة من الموت الوشيك، تصرح “مارينا” بأنها لطالما ادعت قراءة كتب لم تقرأها أصلاً، ولطالما أجبرت على قراءة كتب أخرى لتجتاز سني الدراسة بأمان، ومن ثم “ما من إعدام بالحرق سيكتسب شرعيته، إلا هذا الذي سأنفذه” صـ45 

وتقول أيضا: “إذا لم تجلب قراءة الأدب الدفء، فليذهب إلى الجحيم”، مستشهدة بقول الروائي الفرنسي جورج برنانوس (1888- 1948)، “إن الجحيم هو البرد”. وحين يروادها “الأستاذ” عن نفسها، في غياب “دانيال”، تصده وتقول له، “أريدك أن تشعر بالبرد الذي أشعر أنا به الآن. أريدك أن تشعر بالإهانة، لأنك احتقرتني”. هنا خسارة شخصية، لكن رمزيتها تحيل إلى خطر يهدد البشر الذين يمكن أن يختاروا التخلص من الكتب في حال كان المقابل بقاءهم أحياء ولو لساعات محدودة، ومن ثم يبرز السؤال عن معنى تلك الحياة الخالية من الكتب، وما ترمز إليه من تراكم المعارف الإنسانية؟ وفي ذلك السياق نجد “الأستاذ” يقول لمساعده، “مكتبة الكلية المتواجدة في الطابق “التحت” أرضي ما تزال صامدة. يمكنك الذهاب إلى هناك لتقرأ كتبك المفضلة وأنت ملتصق بأنابيب التدفئة”.

جسر بين الشرق والغرب

ولدت أميلي نوتومب، واسمها الحقيقي فابيان كلير، في مدينة كوبي اليابانية، وقضت في اليابان السنوات الخمس الأولى من حياتها، لتتنقل بعد ذلك بين أميركا، والصين، وبورما، ولاوس، وبنغلادش، تبعاً لالتزامات والدها الديبلوماسي المهنية، وفي العام 1984 عادت إلى بلجيكا لدراسة فقه اللغة في جامعة بروكسل، وتعمقت أيضاً في دراسة الأعمال الكاملة للفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه، والروائي الفرنسي جورج برنانوس. وبالتوازي مع دراستها كرست نفسها لشغف الكتابة، حتى باتت من أبرز الأدباء الغربيين المعاصرين غزارة في الإنتاج والنشر، حيث ناهزت أعمالها السبعين إصداراً، وحققت كتبها أفضل المبيعات الأدبية بين الجمهور الناطق بالفرنسية، كما ترجم بعضها إلى أكثر من أربعين لغة.

المسرحية في طبعته الفرنسية
غلاف الطبعة الفرنسية

وبحسب سعيد كريمي، فإن هذا النجاح يرجع جزئياً إلى ارتباطها بالثقافة الشرقية، خصوصاً الصينية واليابانية. في العام 1992 نشرت روايتها الأولى “نظافة القاتل”، ونالت عنها جوائز عدة، ما شجعها على إنتاج المزيد من الأعمال السردية التي تتراوح بين نمطين من الكتابة، كما يقول كريمي؛ الرواية الخيالية، والسيرة الذاتية. وبلغت مسيرة إيميلي نوثومب المهنية أوجها سنة 1999، بحصول روايتها “ذهول ورهبة” على الجائزة الكبرى للأكاديمية الفرنسية، وهي أرقى ما يحلم به كتاب لغة موليير، لتستمر في حصد الجوائز بروايتها الشهيرة “لا من آدم، ولا من حواء” التي نالت جائزة فلور سنة 2007، والجائزة الكبرى لجان جيونو عن مجموع أعمالها الروائية سنة 2008.

ونوتومب، عضو الأكاديمية الملكية للغة الفرنسية وآدابها في بلجيكا، تعتبر نفسها يابانية وبلجيكية في الوقت نفسه، ومن ثم فإن منجزها الإبداعي يعد كما يقول كريمي جسراً بين الشرق والغرب، وتثميناً، ورسملة للثقافة الشرقية بمختلف ضروبها الأنثروبولوجية.

وعلى الرغم من أن إيميلي نوتومب لم تكتب سوى نص مسرحي واحد هو “وقَاد النار”، جاء بعد روايتيها الأولى والثانية، فإن هذا النص حظي باهتمام النقاد، واشتغل عليه عدد كبير من المخرجين المسرحيين، علماً أنها استوحته من قصاصات الصحف، التي كانت تتابع الحصار والحرب المشتعلة في سراييفو في تسعينيات القرن الماضي، حيث بلغت معاناة السكان من الجوع والبرد أقصى مستوياتها، حد أنهم بدأوا يضرمون النار في الكتب من أجل التدفئة.

وبحسب كريمي أيضاً، فإن أميلي نوثومب، جعلت من هذا النص المسرحي ذريعة وصفارة إنذار للتفكير في الأدب والفكر اللذين صارا في خطر، بحيث بات مصير الكتب هو الحرق والانطفاء، بعدما ظلت جذوة مضامينها مشتعلة خلال قرون عديدة من الزمن، ولعل السؤال المركزي الذي ظل يحاصر الشخصيات في مسرحية “وقاد النار” هو، هل يمكنها أن تعيش بالأدب، أم أنها ملزمة بحرق الأدب لكي تعيش؟.  

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح