أخبار عاجلة

أرسطو أو مصاص دماء المسرح الغربي.. حوار مع فلورانس دوبون – د.محمد أيت العميم #المغرب

أرسطو أو مصاص دماء المسرح الغربي.. حوار مع فلورانس دوبون – د.محمد أيت العميم #المغرب

حوار : Florence Dupont / ترجمة وتقديم : د. محمد ايت لعميم

تقـــــديم :

      كتاب ” فن الشعر ”  la poètique  لأرسطو الذي استقر في أذهان الدارسين أنه كتاب حول المسرح، هو ليس كذلك أو على الأقل ليس بالكتاب الذي يتناول المسرح كما كان يمارس عند اليونان أو يمارس اليوم، وبذلك فهو كتاب ينطوي على التباس في البداية، وقد تسبب في اتهام الفيلسوف ابن رشد الشارح الأكبر لأرسطو من قبل إرنيست رينان في كتابه ” ابن رشد و الرشدية” ، فقد خطّأ المستشرق  رينان الفيلسوف ابن رشد، ووسمه بالجهل الثقافي، وأنه لم يدرك مضمون الكتاب، ولم يفهم سياقه الثقافي مما تسبب في نظره  في الخطأ في ترجمة التراجيدية و الكوميديا بالمديح و الهجاء ومنذ هذا الاتهام ترسخ  أن ابن رشد وقع في خطأ قاتل سببه ثقافي بالاساس، أي غياب الممارسة المسرحية في ثقافة الفيلسوف ، وفي هذا الاتجاه ذهب كل من جاء بعد رينان، بورخيس، امبيرطو إيكو، عبد الفتاح كليطو…

     لكن ما غاب عن رينان ومن سار في ركابه، هوأن كتاب “فن الشعر”  لم يكن يتحدث عن المسرح باعتباره ممارسة، ولم يتناول المسرح اليوناني  الفعلي والواقعي، بل هو كتاب كان يهدف الى الحديث عن النص المسرحي، وعن الترجيديات الميتة. ولم يكن الداعي لأرسطو البحث في المسرح باعتباره جنسا أدبيا وممارسة فعلية، بل كان الهدف من وراء كتابه  هو تنميط  النص المسرحي المقروء وليس المعروض، لأن الداعي كان سياسيا ولم يكن ثقافيا، ومن ثم وجب التنصيص على إعادة النظر في اتهام ابن رشد الذي لم يخطئ في تقديري، لأن أرسطو تحدث عن نص مقروء دون الحديث عن مسرحته وعرضه ، بحيث غاب في كتاب أرسطو كل عناصر المسرح كما كانت سائدة في عصره كما نفهمها اليوم .

     ففي هذا الحوار الذي ترجمناه من الفرنسية توضح فلورانس دوبان  الاستاذة المتخصصة في التراث القديم والتي تعد إحدى آخر أكبر المتخصصات في التراث خصوصا في المسرح القديم مجموعة من التصورات الخاطئة حول كتاب “فن الشعر”  وتفكك بنيته وتكشف عن اديولوجيته، وكيف  أن أرسطو لم يكتب ما نعتقده. ولقد خصصت لهذا الموضوع كتابا بالغ الاهمية بعنوان “أرسطو  أو مصاص دماء المسرح الغربي”.       

س: توحين في كتابك “أرسطو  مصاص دماء المسرح الغربي”  بأن ارسطو كان حاضرا بشكل مفرط في تصورنا للمسرح، لماذا ؟

      ج: اتخذ كتاب “فن الشعر” أهمية اسهمت في إخفاء إمكانات مسرحية عديدة. فالآفة الأولى في المقاربة الارسطية هي ما يمكن ان نسميه بالنصية (textualisation) يتناول ارسطو المسرح مُقصيا مجموعة من مظاهره – إبعاده الموسيقية والمرئية والطقوسية…الخ. والامر الممل أيضا هو ان ارسطو مقتنع بان المسرحية هي تمثيل لقصة.  فحين نتبنى وجهة النظر هذه ينتهي  بنا الامر الى اعتبار اسخلوس Eshyle  “قديما بشكل مطلق” لأن مسرحياته لا تحترم أي شيء  من هذا ، فهناك اذن في قراءتنا ” فن الشعر” خطأ حول الماضي وخطر  حول المستقبل. فمن الواجب علينا أن نتعلم التمييز بين التراجيديا الميتة (الموميائية) كما وصفها ارسطو، والتراجيدية الحية.

س: إذن ، كان قد وقع أرسطو في خطأ ؟

    ج : إنه بالأحرى لم يكتب ما نعتقده، ففي كتاب ” فن الشعر” لا يُنَظر ارسطو للممارسة المسرحية كما كان يراها في عصره، إنه كان يهدف بطريقة محدودة جدا، ان يجيب عن هذا السؤال : كيف يمكن لنص مقروء ، فقط ، أن يحدث أثرا ؟ لقد طرح المشكل بالنسبة إليه  لأن Licurgue  قرر ، من خلال  اصدار مرسوم 335 ، أن يشكل متنا رسميا للنصوص المسرحية . ويريد أن يجعل من ثلاثة مؤلفين للقرون السابقة – إشيل وسوفوكليس وايوربيدس – أعمدة سياسية ثقافية موحدة قادرة على إعادة الاعتبار لأثينا بعد هزيمتها ضد المقدونين. في هذا السياق ، اثناء بناء مسرح بالحجارة لأول مرة، وإعادة بناء نصوص لم يكن لها لحدود ذلك الوقت أية وحدة ، كان ارسطو يسعى إلى البرهنة على أن نصا تراجيديا بلاموسيقى وبلا طقوس وبلا جوقة موسيقية، بدون أي شيء، له التأثير نفسه كما لو أنه كان قد لعب امام الجمهور بكل هذه الأبعاد. إنها مفارقة لا تصدق ! لكن الامر لا يتعلق بممارسة المسرح، فقد كان هدفه هو إنتاج شبكة تحليل للتراجيديا النصية تبعا لإصلاح Licurgue . في هذا الاتجاه ، فأهمية كتاب ” فن الشعر تكمن في هذه المصاحبة للارادة السياسية.

س. هذه النظرية التي كانت لها تأثيرات حاسمة ، لم تكن موجهة في الأخير إلا لممارسة خاصة

      ج : المسلي في الأمر، هو أن هذا التدخل لم يغير شيئا في الحياة الثقافية لأثينا: لقد استمر الآثينيون في استعمال المدرجات الخشبية وبإلقاء النصوص المسرحية للجمهور بعد العرض… الخ – لم يكن كتاب ارسطو موجها لأن يذاع خارج مدرسته. ومع ذلك، فرغم تهميشه في الحياة في اثينا ، فإن له اهمية بالغة بالنسبة إلينا. فكي نفهمه، ينبغي أن نأخد بعين الاعتبار قصة هذا الارث: فبسبب وجود مسرح لاتيني جديد neolatin  في مدارس القرن XVI أعدنا اكتشاف التراجيديات اللاتينية لسينيك، بعد ذلك وبفضل Sénèque تمكننا من فهم النصوص الغربية التي حافظنا عليها دون ان نعرف ماذا كانت، والتي وقعها كل من Eschyle وسوفولكيس ويوربيدس .

     لم يحافظ المسرح اليوناني على نفسه بالقوة الوحيدة لديناميته dynamis كما كان يعتقد ذلك أرسطو، وحينما صار هذا المسرح، مع المثالية الالمانية، موضوعا فلسفيا، فرض كتاب “فن الشعر” نفسه باعتباره أول نص تناوله بهذه الطريقة ، فقراءتنا لكتاب ” فن الشعر” هي إذن عارض من عوارض القرن 19. ولكن ليس لأنه  أعيد بناؤه كلية أنه ليس مهما !

س: إذا تفادينا تأثير ارسطو، ما هي المنظورات الجديدة التي يمكنها أن تظهر ؟

      ج: أولا، يجب أن نفهم أن إرثنا هو هنا لأننا اردناه، هذا الأمر يفتح جيدا الإمكانات: ليس لدينا ما نسدده لأي كان. فاسخيلوس Eschyle لم يترك لنا شيئا – إننا نحن الذين حافظنا عليه، حين نفهم هذا الامر، يمكننا أن نعيد تأهيل أشكال أخرى للمسرح. إذا تركنا أرسطو جانبا، سنكتشف أن المسرح اليوناني يمكنه أن يستعمل باعتباره موادا لفرجات أكثر حرية، نكتشف بعدها الشعبي  وبمقدور المخرجين مثلا أن يتجهوا نحو الثقافة الموسيقية للجمهور، كما يفعل ذلك اليونانيون، أو التقاطع مع تقاليد ليست غربية، باختصار التخلص من التناوب بين الاحترام الفخم والاقتباس الخالي من المعنى.

     لو لعبت مسرحية ” الفرس” ل Eschyle  بالموسيقى الايرانية لحداد عاشوراء ألا يمكننا الحصول على اشياء  ذات أهمية، والحال هذه إذا كان من الواجب علينا أن نكتب مسرحية كما يرى ارسطو فلا أحد باستطاعته ان يصل الى ذلك.

(حاورها ماكسم روفر / maxime rover – نونبر 2014)

المجلة الأدبية – Le Magazine litteraire N°549

(ملف خاص حول أرسطو وكيف يمكن أن يساعدنا اليوم)

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح

error: حقوق النشر والطبع محفوظة