أحمد شرجي.. حياة في المسرح #العراق

 

 

إن الحديث عن فلسفة الكتابة لدى الدكتور أحمد شرجي هو حديث مزدوج بين قوة البحث الأكاديمي المتخصص ورحابة الإبداع المتجدد في مسير خاص يُجمع الجميع على ثرائه الفني والنقدي.

لهذا أفترض أن ترجمة هذه التجربة بما راكمته من خبرات لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تختزل فلسفة الرجل في رؤيته للعالم التي رسخ فيها وفاء منقطع النظير للمسرح بوصفه مشروعاً تكتمل معه الحياة.. كيف لا وهو الذي آمن بقدرة الفن على خلق مساحاته الجميلة وهو يشتغل على المسرح في صمت صوفي آسر يعانق به ومضات النقد والإبداع وإشراقاتهما الوهاجة، مكرساً بذلك عمراً للبحث والكتابة في أكثر ميادين المسرح تعقيداً منذ ‘سميولوجيا الممثل’ إلى ‘متاهة العلامات في العرض المسرحي’، مروراً بـ’ثقافة العرض المسرحي’… هكذا تتداخل في شخصية أحمد شرجي الممثل الباحث والباحث المبدع الذي يعي معنى الحواف والتفكير العابر للحدود. يعبر بنا بسلاسته المعهودة من النص الدرامي إلى النص العرض، ومن الإبداع إلى النقد، ومن الثقافة المسرحية العربية إلى الثقافات المسرحية الأوروبية وبخاصة الهولندية من دون السقوط في متاهات الماهوية المقيتة.

تعد خشبة المسرح حقلاً دلالياً مكثفاً ومفعماً بالعلامات المتفاعلة فيما بينها؛ إذ تكتسب “الأشياء والأجساد الواقفة عليها قوة دلالية كبيرة تفتقدها هذه الأشياء والأجساد في وظائفها الاجتماعية العادية” ، وهي في الغالب وظائف نفعية. ولعل هذا التأكيد على قوة الدلالة في علاقتها بالمتلقي هو ما يعرف بـ’السميأة’ حسب آن أوبرسفيلد وآخرون… ومن ثم يخوض العرض المسرحي في ممارسة سيميائية جامعة تشمل كمّا هائلاً من العلامات المركبة. وحينما ينتقل النص المسرحي من ثقافة إلى أخرى ليعرض لفائدة جمهور مختلف يؤسس خصوصيته الثقافية من خلال منظومة أدائية تتلاءم مع ثقافة الجمهور المستهدف. ومن هنا يوضح الباحث الحصيف أحمد شرجي بجلاء ودقة العالِم المتمكن تحولات النصوص المسرحية في ترحالها من ثقافة إلى أخرى، وقد أصبح الاهتمام بتلك التحولات أحد أبرز سمات المشروع النقدي للشرجي.

يركز الباحث المبدع أحمد شرجي في كتابه ما قبل الأخير ‘ثقافة العرض المسرحي: دراسة سيميولوجية’ على عرضين مختلفين لمسرحية ‘ريتشارك الثالث’ لشكسبير: الأول للمخرج الكويتي البريطاني سليمان البسام والثاني للمخرج الهولندي Matthijs Rumke . فعلى الرغم من تضمن النص الشكسبيري لعلامات ذات مرجعية تاريخية في غاية الأهمية إلا أن العمل الذي قام به انبنى وفق “ثنائيات الهدم والبناء والتركيب والاستبدال التي تحاول إضفاء روح المغايرة على النص من خلال تشكيل جديد لعلاماته اللغوية والبصرية (ص، 170).

هكذا يؤسس “نص العرض الجنين”، حسب شرجي، “البنية الكاملة للعرض بشكل يبتعد عن ثقافة النص الشكسبيري ومرجعيته الإنجليزية تاريخياً واجتماعياً”. لقد رحَّل البسام الشخصيات الشكسبيرية من نص ثقافي إلى نص ثقافي آخر مما يجعل التأويل متغيراً ومتقلباً إذا ما نظرنا إلى ذلك من زاوية دائرة التأويل لـغادامير Gadamer، لذلك يتوقف التأويل على الأسئلة التي يطلبها المخرج/ المترجم من النص في سياق ثقافي مخصوص. إن مثل هذه الأسئلة ليست نهائية ولكنها مؤقتة؛ إذ تتجسد في لحظات تاريخية محددة وسياقات ثقافية مخصوصة؛ كما توجد بشكل مواز مع تأويلات أخرى؛ فـ “المعنى” لا يكمن في النص الأصلي أو في النص المترجم/المقتبس، بل ينتج عن تفاعل إبداعي، إن لم نقل نتيجة التوتر القائم بين الاثنين. يجتمع في الاقتباس كل من التأويل والترجمة لإنتاج نص موازٍ يغذيه بالفعل “وعي المؤثر التاريخي” للمخرج/ المترجم على أنه “تيار نتحرك فيه ونشارك فيه، في كل ممارسة من فاعلية الفهم” .

يستمر الدكتور أحمد شرجي في نحت مفاهيمه النقدية مقترحا علينا في كتابه الحالي ‘متاهة العلامات في العرض المسرحي’ تأمل الخصوصية الثقافية التي تميز العلامة المسرحية وهي ترتحل من ثقافة إلى أخرى؛ إذ يؤكد بأن “علامات العرض المسرحي وثيقة الارتباط بالثقافة التي يقدم فيها العرض حتى لو انتقل العرض ذاته إلى ثقافة أخرى”. كما اتخذ الباحث نص المؤلف العراقي فلاح شاكر ‘في أعالي الحب’ منطلقا لتطبيق مفاهيمه الإجرائية المستمدة من حقل السيميولوجيا؛ وهو العرض الذي قدم داخل ثقافتين: العراقية والهولندية؛ حيث قدمه المخرج فاضل خليل داخل ثقافة النص الأصلية، وبعد ترجمته إلى الهولندية قدمه المخرج الهولندي Egan Van Enk.

يقترح علينا الكتاب إذن، أسئلة شائكة ومستفزة من قبيل: كيف يخلق العرض المسرحي سردا مختلفا ومؤقتا في أثناء رحلته من ثقافة إلى أخرى؟ وكيف تبني العلامات المعنى على الخشبة؟ ألا يمكن أن تمتلك العناصر المسرحية المدلول نفسه إذا انتقلت إلى ثقافة أخرى؟

خالد أمين

https://www.almadapaper.net/

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح