(أبو) الطـيـب الصـديقـي خالــق الفرجــة والاحتفــال ـ المغرب

لعلَّ أهمّ ما مَيَّز تجربة الراحل الفنان (أبي) الطيب الصديقي هو تلك الرَّغْبَة العارِمَة في التَّحَرُّر من الأشكال المسرحية القديمة، أو من المسرح، كما كان سائداً قبلَه، أو حتَّى في زمنه. فهو رغم دراسته في فرنسا على يَدِ كبار مُعَلِّمِي المسرح، في العصر الحديث، ورغم أنَّه تلقَّى دروس الإخراج والتمثيل، من هذا الغرب الذي كان نموذجاً، في ما عرفَه المسرح من جُرْأةٍ في اخْتِلاق منظوراتٍ جديدة لهذا الفن القديم، فهو لم يَبْقَ مَشْدُوداً لهذا الغرب، ولا لنظرياتِه، طويلاً، بل اسْتطاع، في فترة وجيزة، أن يَخْرُج من مرحلة الاقتباس، والترجمة، أو التَّوْليف، إلى مرحلة التأمُّل، والبحث، والتأليف.
الذي اسْتَغْرَق (أبو) الطيب الصديقي هو مشروعه الشَّخْصِيّ، توقيعُه الخاص، وبَصْمَتُه هو كمَسْرَحِيّ مغربيّ ـ عربي، وهو ما انْتَبَه إليه جاك لانغ في كلمته التي كتبها عن الصديقي. السؤال الذي، ربما، كان أرَّقَ الصديقي، أو شَغَل ذِهْنَه، هو: «ما الشكل الذي يمكنه أن يجعل هذا التوقيعَ مُمْكِناً، أو يجعل المسرح يَتأصَّل في تُرْبَةٍ لم يكن المسرح ضمن ما تَهْتَمّ به، باعتباره فُرْجَةً؟». سيُدْرِك الصديقي أنَّ في هذه التُّرْبَة ذاتِها ما يُمْكِن أن يكون بُذُورَ أشكالٍ مسرحية جديدة، وأنَّ الفُرْجَةَ والاحتفال موجودان في كثير من الطقوس التي مارَسَها المغاربة عبر تاريخهم، وكانت جزءاً من تراثهم الشعبي، أو جزءاً من الثَّقافة المغربية، التي تشَكَّلَتْ في هذا السِّياق. وهذا ما جعل الصديقي، في بَحْثِه، يَنْتَبِه إلى أنَّه في طفولَتِه كان شَغُوفاً بالفُرْجَة في مدينته الصويرة، التي منها تَحدَّرَ، في «الحَلْقَة» بشكل خاص. فالمُدُن المغربية العتيقة كُلُّها كانت تَحْفَل بهذا النوع من الاحتفال والفُرْجَة الشَّعْبِيَيْن، ما سهَّل على (أبي) الطيب الصديقي، أن يَجِدَ في «الحَلْقَة» و «البساط»، مثلاً، الطَّريق المَلَكِيّ لِلْمَسْرَح الذي كان يرغبُ فيه.

لا يمكن لأيّ شخص يَرْغبُ في «التَّأصِيل»، في المسرح، أو في غيره، من أشكال الفُرْجَة، أن يَفْعَل هذا، دون أن يكون، أوَّلاً، مالِكاً لِزِمَام المسرح، في أصوله، وفي أهم قواعده، وأسَاسَاتِ بنائه، في الإخراج، كما في التمثيل، وأيضاً، مُثقَّفاً مفتوحاً على التراث الشعبي والعالِمِ، وعلى غيره من الأشكال التراثية التي كانت تخرج من الحِسِّ العام المُشْتَرَك بين المغاربة، بمختلف طبقاتهم، وانتماءاتهم الجغرافية، في الاحتفال، أو في طقوس هذا الاحتفال، وفي اللباس، وفي تأثيث الفضاءات، وفي الإيقاعات المختلفة، وأشكال الغناء، أيضاً. والصديقي كان، بثقافته المزدوجة، وبحِسِّه الفَنِّيّ الاخْتِلاقيّ المُبْدِع، وبجرأته في كَسْر الحُدود، وفي الابتكار، وتحرير الأشكال من نمطيتها، وتَعَدُّد مواهبه، واستعداده للعمل بأكثر من يَدٍ، وبأكثر من عَيْن ورأس، وهو ما سَيجعل من عَمِلُوا معه يعتبرونه «دكتاتوراً»، وهو ما كان كتبه الراحل العربي باطما في سيرته، يتدخَّل في كُلِّ شيء، ولا يترك شيئاً يخرج من يَدِه، لأنَّه، كما تأكَّد في ما بعد، كان يحرص على وضع أُسُس مسرحٍ، لا عَهْدَ للمسرح به. فحتَّى الذين عملوا معه، كممثلين، وَجَدُوا أنَّ التمثيل، مع الصديقي، يفرض الخروج من جَسَدٍ إلى جَسَدٍ آخَر، ومن ملامح وديكورٍ ولباس إلى ملامح وديكور ولباس لم يعْهَدُوه، ولم يكُن وارِداً في خيالهم

إنَّ الصديقي كان يُوَظِّف في مشروعه المسرحي ـ الفني الكبير كل أشكال الفن، والمعرفة، لتحقيق الفُرْجَة، من منظور مُغايِرٍ، فيه إحْداث وابتكار، وفيه تحرير للمسرح من المسرح، لوضعه في سياق الفُرْجَة التي هي «إمتاع ومؤانسة»، كما فعل مع التوحيدي، ومع بديع الزمان الهمداني، وسيدي عبد الرحمن المجدوب، وغيرهم، ممن وَجَدَ فيهم الصديقي ما يَسْعَفُه في بناء هذه الأسُس، أو الأساسات التي باتَتْ اليوم معروفة بالطيب، والطيب معروف بها . في مسرحياته وظَّف الغناء، والأدوات الموسيقية التقليدية، ومجموعة «ناس الغيوان» خَرَجَت من مسرحية «الحرَّاز»، التي لعب فيها بوجميع والعربي باطما أدواراً مهمة. كما وظَّف التشكيل والخط، وهو خطَّاط، له أعمال كاليغرافية، جُدْران بيته تزخر بالكثير منها، وقد استعمل الكاليغراف حتى في اللباس. ومن بين الأمور التي جعلت الصديقي يكون مفرداً بصيغة الجمع، هو جمعُه بين التأليف، والإخراج، والتمثيل، وصناعة الديكور، أو وضع تصاميمه، والملابس، فهو كان حين يكتب النص، يُخْرِجُه، في ما هو يكتبُه، ويضع له كُل سيناريوهات الإنجاز. مَثَّل الصديقي بالفرنسية، بلغة موليير، كما مثَّل بلغة الضَّاد، لا فَرْق، فهو في الحالَتَيْن حَرِصَ على أن يكون هو نفسُه، بنفس إيقاعاته وألوانه. كما كتب باللُّغَتَيْن، وله أعمال منشورة، بينها روايته “موغادور فابور”.

من يقرأ النصوص المسرحية التي كتبها الصديقي، سيكتشف أنَّ الصديقي، بقدر ما كان يكتب بلغة عربية فيها شعرية وعمق لغوي وتصويري بديعَيْن، بقدر ما كان يستعمل العامِّيَة، في سياق السخرية التي كان يقتضيها السياق، أو كانت جزءاً من مشروعه النقدي السَّاخِر، ولو بنوع من السخرية المُرَّة السوداء، التي توازي ما نُسَمِّيه، بحكم العادة، السُّمّ في العَسَل.

سيبدو الصديقي، في فيلمه الوحيد «الزّفت»، مسرحياً أكثر منه سينمائياً، لأنَّ من عرفوا مسرح الصديقي رأوْا في كثيرٍ من لحظات الفيلم بعضاً من مسرحيات الصديقي، أو من تقنيات عمله، ومن ذلك الدَّم الشخصي الذي بَثَّه في مشروعه الفني الكبير. لم يكن الفيلم بذلك النجاح الكبير، لكنه كان اسْتِكمالاً لمشروع الطيب المسرحي، لكن هذه المرة، في مساحات أوسع، وفي فضاء، سيعرف الصديقي كيف يَسْتَثْمِرُه، خُصوصاً حين شَرعَ في إنجاز «الملاحم»، ذات الطابع الوطني، بعدد هائل من الممثلين، وبمخرج واحد، هو الصديقي، الذي كانت تجربتُه قد بلغت نُضْجَها، ووصلتْ إلى ذِرْوَة الحُلُم الذي كان هو ما يأْكُلُه في نومه، كما في يَقَظَتِه.

 

عن: جريدة المساء

 

عن بشرى عمور

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.