“أبرياء” بيتر هندكه يحتفون بالطريق كمعادل للمصير الإنساني

آخر ما هو مبرمج في مسرح الهضبة بباريس، قبل حلول الحجر مسرحية بعنوان “الأبرياء” من تأليف النمساوي المثير للجدل بيتر هندكه، وإخراج الفرنسي ألان فرانسون، هي جولة بين الفصول الأربعة والتأكيد على ضرورة الانفتاح على الآخر. 

المسرحية بعنوان “الأبرياء، أنا، والمجهولة على حافة طريق المحافظات”، وتجمع بين الشعر والتأمل الفلسفي، ومؤلفها النمساوي بيتر هندكه كاتب معروف برواياته وأشعاره ومسرحياته، ولكنه أثار زوبعة عقب حصوله على جائزة نوبل للآداب نظرا لمساندته المطلقة لسلوبودين ميلوسوفيتش، المتهم بالتطهير العرقي في البوسنة والهرسك.

المسرحية، التي نقلها هندكه بنفسه إلى الفرنسية عن أصلها الألماني، مع تشذيب كبير، خاصة من جهة الجمل الطويلة (لكونه ساردا بالأساس) والمُمَسْرحيات (وهي توجيهات يضعها المؤلف كي يتقيّد بها المخرج والممثلون) التي تكاد تفوق المتن، ما يعكس هوسه بالتفاصيل، سبق أن عرضت في صيغتها الأصلية في فيينا وبرلين.

وهي تعالج مسائل وجودية انطلاقا من الطريق، كأفق لمسلك حرّ، وصورة عن عالم منسجم يربكه اقتحام الآخرين فيغدو رهان مواجهات، ويتبدّى كمعادل للمصير الإنساني.

تدور الأحداث في طريق شبه خالية، لا يستعملها الناس إلاّ في القليل النادر، وتنطلق ببروز شخص يحيّي قدوم الربيع، على خشبة هي عبارة عن طريق عريضة مزفّتة وسط الحقول، وعلى جانبيها مرايا تمدّد المشهد الريفي البديع بألوانه الربيعية الزاهية.

يبادر الرجل بالتعبير عن وجوده في ما يعتبرها طريقه هو، لا ينافسه فيها أحد، فهي الوحيدة التي لا تزال تحتفظ بحريتها، لكونها ليست دولية ولا اشتراكية، بل لا وجود لها أصلا على الخرائط الجغرافية. وفجأة يظهر “الأبرياء” وهم فرقة من ممثّلين ومهرجين جوالين، فيرجّون قناعاته، إذ يرى فيهم تهديدا لسكينة المكان وهدوئه.

أحسّ الرجل أنه صار مغزوّا، فطلب منهم الرحيل، لأن الطريق طريقه، حيث يقول “إنها الطريق التي لم يمرّ بها جيش قطّ، لا مهزوما ولا منتصرا”. وفي ذلك رمز للمنظومة التي أقامتها حضارة الغرب المادية، التي اجتاحت الأرض وما وراءها، وما البطل هنا سوى مُدافع عن قطعة من هذا الكون يريد أن يحفظها من الاجتياح الرأسمالي وما يترتب عنه من استغلال واستنزاف للموارد والطاقات والقوى العاملة.

ثم تظهر المجهولة “المرغوبة من زمن بعيد” كبطلة إغريقية. يصيح فيهم “اسمعوا: هذه طريقي، حقّي، آخر مسلك حرّ على هذا الكوكب، وأنا أريد أن أدافع عنه. أريد؟ بل واجب عليّ. وهل تريدون أن تعرفوا، يا معشر الأغبياء، كيف مُنح لي هذا الدّور؟”.

غير أنه يفاجأ بأن تلك الفرقة إنما جاءت لتنشر الفرح والمحبة، كما قال قائدهم. فهم ليسوا أعداء للبطل “أنا” ولا يحملون نوايا سيئة، ولكن قيم الطرفين مختلفتان، فأنا شاعر حالم، يريد المحافظة على هذه الطريق كمكان أسطوري، فيما يرى قائد الفرقة أن الطريق لا بدّ أن تعيش، ولكي تعيش لا بدّ أن يسلكها الناس على اختلافهم. وعندما عجز عن طردهم قال لهم “سيروا بكيفية مغايرة”، بعد أن كان يقول لهم “سيروا في طريق أخرى”.

Thumbnail

ولكن ما إن حلّ الخريف، حتّى وجد الرّجل مزقا من الورق تركها “الأبرياء”، وهي عبارة عن تذاكر سينما أو محلات تجارية وأرقام هواتف، إلى جانب أوراق أخرى كشفت عن أسرار غرامية ومعتقدات دينية، أي أن ما تركوه يتراوح بين أشياء الحياة المعتادة والأسرار الحميمة، ما يدلّ على أن “الأبرياء” هم في النهاية أناس عاديون، بل هم الإنسانية في وجه من الوجوه.

المسرحية كلها، في انتظار “المجهولة” على حافة الطريق الريفية الرابطة بين المحافظات، هي محل مواجهة في خلفية عالم يتهاوى، حيث “كلّ شيء ينبغي أن يزول” (والعبارة تتكرّر مرارا)، وحيث تتعاقب مواسم التخفيضات، وتصفية مخزون القيم المبخوسة.

هذا الجزء من “الطريق القديمة” حيث لم يرفرف علمٌ عدا علم السماء الزرقاء والسحب والثلج، والتي يريد البطل أنا في أوجهه المتعدّدة، كسارد درامي حينا وملحمي حينا آخر، وفي مرات أخرى فنانا وطفلا سبق أن سار على هذه الطريق هو وأهله، أن يكون حارسها، وبذلك تغدو محلّ نزاع ينتهي إلى التأكيد على أن وجهات النظر، برغم اختلافها، لا يمكن أن تمثل عداء يباعد بين هذا الطرف أو ذاك بصفة لا رجعة فيها.

إن الطريق في الأصل محلّ عبور وسفر من مكان إلى آخر، ولكنها قد تكون أيضا محطة استراحة، منطقة خارج الزمن، وهو ما حرص عليه المؤلف هنا، حيث تبدو الطريق كمحطة يسترد فيها إنسان هذا العصر أنفاسه، ويجعل ما حولها من مكونات العالم محط نظر وتخيّل.

يقول مخرج المسرحية ألان فرانسون “من أجمل ما في المسرحية مقطع يشكر فيه البطل ‘الأبرياء’ على غيريّتهم، وما يمكن أن يحمله المتفرّج معه، أهمية الانفتاح على نظرة الآخر”.

وقد ورد ذلك عقب حوار طويل بين البطل وقائد الفرقة تناول السلطة والاقتصاد والحرية، ولكنه ركّز بصفة خاصة على التعايش السلمي بين مختلف أجناس البشر، واحترام الآخر وأخذ رؤيته للعالم بعين الاعتبار، فالانفتاح على الآخر ضروري، بغية التواصل والتفاهم والاتفاق على قيم مشتركة.

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح